التيه هو الشعور الذي عرفته منذ كنت مراهقاً يقفز من حلم لآخر، قبله كُنتُ طفلًا جامحًا يركض في مسارات الخيال دون الوصول لخط النهاية،

اليوم بَتّ رجلاً لم يعرف في صباه معنى الركوض فوق الأرض الدافئة المشبعة بالشمس، والسهول الخضراء المتعرجة، والوديان الوعرة، والغابات الموحشة، وهواء الوطن.

لم أتقن الرسائل الغرامية واحتفالات أعياد الميلاد، والوقوف في طابور الرغيف، وترديد النشيد الوطني، لَكِنَّ عشتُ التزاحم في وسائل المواصلات والانتظار في المطارات، ومتعة اللقاءات السرية، أدركت لغة العيون، لبستني لعنة العشق، وطاردت الأفكار في متاهات عقلي المتخم بالتيه،

اليوم أنا على مشارف الأربعين ربما فلغة الأرقام بعد كل هذه السنين تبدوا مجرد حجر نرد قد يصيب ويفشل، أخبرني ذات مرة رجل عجوز أن العمر هو حصاد ما تزرعه لكن المشكلة لم أعرف حتى اليوم ما زرعته؟ !

أثناء عملية نقل دم لإنقاذ ما تبقى من حياتي تسللت لي فكرة من تلك المتاهات، لماذا كان المعلمين يمنحونا دَوْمًا نصف المعلومة ويحتفظون بالنصف الثاني! أكانت تلك لعبتهم لنعشق التعلم أم حيلة رخيصة لنتدرب على الانتظار؟

في الفصل الساس سرد لنا مدرس مادة العلوم عن الكواكب والمجرات واستطرد خارج المقرر وعرج على رحلة الفضاء تلك التي حملت أول رائد فضاء عربي في منتصف الثمانينيات، سأل ما لم يتوقعه فتية لم يكلموا الثانية عشرة من عمرهم في تلك الحقبة! هل تعتقدون أن الرحلة وصلت حقاً للفضاء هل نزل على سطح القمر، هل تعرفون ما قاله عند عودته؟

كانت أسئلة من النوع الذي لم نتدرب عليه في ذلك الوقت، بل كانت من النوع المحرم؟ ثم توقف فجأة وأدار ظهره لنا وتركنا معلقين في منتصف السؤال وأكتفى بالقول ستعرفون الباقي في الصف السابع!

تذكرت حينها نشرات الأخبار التي كنت شغوفاً بها والتي علمتني خارج محيطي أكثر مما أحتاج قبل أن أكون جاهزاً لهذا الكم من تخمة المعلومات، كم مرة أذاعوا تأجيل انطلاق مكوك الفضاء، ونجاحه مرة أخرى وفرحة الفريق العامل في المحطة وتصفيقهم لنجاح الرحلة أكان كل هذا مسرحية أم كذبة بيضاء؟ ،

 كان السؤال الذي يطاردني حقيقة لماذا يصعدون للفضاء ما الذي وجدوه ليتسابقوا الوصول إليه، بينما ذلك المعلم تركنا تائهين في معلومته المجتزئة هل تعتقدون وصل؟، تبًا لك.

بعد خروجه تبادلنا النكات حوله ربما كان ممن يمنعون دخول التلفاز لدورهم، أم كان نائماً لحظة إعلان وصول مكوك الفضاء الأميركي ديسكفري، كما هو زميلنا خالد النائم في هذه الحصة.

في نهاية اليوم الدراسي سألته :ما رأيك أن نذهب للفضاء؟

أجابني بسخريته المعتادة: أسري يواد أنا معلم هنا، ما أتعامل مع كائنات فضائية ما أعرف شفراتهم!

فاجئني معرفته بوجود غيرنا في هذا الكوكب وهو جدل لايزال قائم حتى يومنا هذا! فكيف فات معلمنا خبر وصول ديسكفري؟

لا أعرف لماذا عدت للوراء كل هذه السنوات، سر اختيار هذه اللحظة بالتحديد وأنا ما بين الحياة والموت في المنتصف بينهم خطوة تفصلني عن محطتي الأخيرة، تخيلت أني صعدت للفضاء لكن لم أعرف من الذي صعد أنا أم روحي الذي فقدتها أثناء عملية نقل الدم؟

في اليوم الثاني أخبرني الطبيب أن العملية تأجلت بسبب مضاعفات مفاجأة لم يستعدوا لها! لم يوضح الكثير لكنه منحني نصف المعلومة كمن سبقوه، ندبت حظي ولعنته.

تُرى في المرة القادمة أي فكرة سوف تتسلل إلي؟

أضف تعليق