المحطة

قبل العاشرة صباحًا بدقائق معدودة، لا يشكل الوقت أهمية هنا، لا يهم اليوم أو العام لن يغير ذلك شيئاً من الحكاية، وحدهُ الليل يحرك شيئاً من سكون المدينة، تُغادر الحافلات التي تصل تباعاً المحطة بعد توقف قصير يكفي لنزول الواصلين، واستبدالهم بدفعة  تملأ الأماكن التي تركوها مثخنة بجيوش الذكريات والحكايات غير المكتملة يُغلفها الفَقد، أخذُ مكاني المفضل آخر الحافلة بجوار النافذة على اليمين؛ ليتسنى لي مراقبة وجوه السائرين في المدينة، والباعة المتجولين على الأرصفة، والمتسولين، والثكنات العسكرية تحفهم  بالإضافة للراكبين.

 كان الأمر مسليًا في البداية كمشاهدة قناة منوعة وجوه مختلفة، المستدير منها، والمستطيل، والمربع، أصحاب البشرة البيضاء، والحنطية، والسمراء، من يمتلكون صوت جهوري، والشجي، والهادل، وصوت آخر لا يُسمع وحده تحرك الشفتين يترجم وجود محاولة، لكنه لا ينتمي لأن نوع من الأصوات، حاولت مرارًا أتقان هذه النبرة لكن كل محاولتي بأت بالفشل، أقنعت نفسي أنهم هبطوا من كوكب آخر كيف يتحدثون هكذا وتتفاعل أياديهم أكثر من الشفتين، ربما هم فضائيون شاهدت فلمًا عنهم ذات مرة كانوا كذلك.

 تحول الأمر إلى مسرحية هزيلة، بعد دخول روائح جديدة في الحكاية،  فجأة بدأت أشتم نفحات للراكبين تختلف عن التي اعتدتها قبل سنوات، راجعت طبيب أنف لأستوضح الأمر، وصف دواء لم أجده في المدينة، لكن والدتي أعدت لي مشروبًا قالت سيعالج المشكلة، ومن لحظتها تغيرت نكهة كثير من الأشياء من حولي.

ذات يوم توجهت سيرًا على الأقدام من شارع داخلي، فاجئني كيف أن المدينة لم تتغير منذ كنت طفلًا، السوق القديم لم يطرأ عليه أي تغير دكاكين صغيرة متجاورة على امتداد الشارع، يجلس أصحابها في مقدمتها  بوجوه شاحبة، متكدرة، مكتفين بأبوابه المشرعة لجذب المارة، دون حناجر تنادي عليهم، وكأنهم فقدوا الشغف أم لم يعد هناك من يشتري!، على الرغم من ذلك لا يزال السوق متنفس المدينة الوحيد من خلاله تتعرف على أخبار الفارين إلى الحياة، والهاربين من التعاسة، ذات الحكايات التي تكبرني لاتزال تروى بنفس السرد، وكأن الزمن توقف هنا في منتصف القرن الماضي.

تأسرك رائحة الجَبَنَة في السوق وما يصاحبها من طقوس الاجتماع حولها، يسردون قصصهم ومغامراتهم، هي منبرهم الشعبي لمناقشة القضايا وحلها، وحدها من تجمع الإرتريين، هي الوطن الذي يحنون إليه، واسْتِجْلاب ذكريات الأحباء والبكاء على فراقهم الذي جعل الحياة بلا طعم كالقهوة التي يرتشفونها، يحتضنون الفنجان الصغيرة بين يديهم كمن يخبئ وردة سرية ليفاجئ حبيبته.

 وغير بعيد عن جلسات الجبنة تباع البهارات الحارة “الدليخ”، وبعض التحف الخشبية التي تجسد تاريخ المدينة، في نهاية الشارع نزولًا المسجد العتيد بقبتيه الخضراوين شاهدًا على ذلك، وغير بعيد في الجهة المقابلة لاتزال الكاتدرائية ذات الطراز الروماني حاضرة وكأنهما يجسدان خرافة أفلاطونية.

اقتربت من وجهتي، وجدت نفسي أخذ مكاناً في أحد المقاهي وأحتسي قهوة إيطالية، قدمتها لي فتاة وجهها كالشمس في استدارتها ومشرقة بالرغْم الحزن الساكن في عيينها البنيتان، بشترتها حنطية جمعت شعرها في ضفيرة تنسدل للخلف، ترتدي بنطالاً أزرق وبلوزة بيضاء منتصفها وردة حمراء، بصوت مخلوط بالتقرنية والعربي قدمتها لي ومضت، راقبتها بدهشة كيف لفتاة في جمالها تؤدي هذا العمل بهذا الحزن! تذكرت المدينة التي نسكنها فكان ذلك كافيًا، غادرت المكان ونصف الفنجان ممتلئ، علها تجد نافذة أمل.

أثناء ذلك داهمتني فكرة الذَّهاب دون عودة دون مقدمات، هل قرأت كتاب كيف تصبح خارقِاً في 10 أيام يمنحني القوة التي أريدها؟!

 – أريد سمكة منزلية هل أختارها ذهبية أم بيضاء ربما بلاتي فهي جيدة للمبتدئين، تلك كانت كلماتها الأخيرة قبل أن تغادر رفقة عائلتها نحو الأمل، لكن القدر قرر لها أن تكون طعاماً للأسماك في البحر، بعد أن فقد المركب المتهالك الذي يحملها القدرة على مقاومة أمواجه.

مضى الوقت وأنا أنتظر، وأسترجع حكايات والدي ورفاقه الذين رحلو أو فقدوا، لا يزال نشيده الذي أعتاد تردديه حاضرًا في أذني كلما داهمتني فكرت المغادرة لمكان يمنحني شعور الوطن،،

 إرتريا يا جارة البحر ويا منارة الجنوب

من أجل عينيك الجميلتين يأتي زحفنا

من أقدس الدروب

من أجل عينيك الحزينتين يا حبيبتي

سيطلع النهار

– عثمان .. أستاذ عثمان

–  تفضل موعدك لإجراء المقابلة ؟ ذكرني أجئت من أجل تأشيرة كندا، أم أستراليا؟

– عفواً، أليس هذا مقر دار ” حكاية” لأدب المهجر؟

– المكتب المقابل لنا، لماذا دونت اسمك في السجلات وانتظرت كل هذا الوقت الطويل

– ربما وصلت متأخراً، أو باكراً

أضف تعليق